اسماعيل بن محمد القونوي
116
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
نذرت تحريره ) أي هذا الكلام خبر لفظا وإنشاء معنى لأنها تريد به إنشاء إظهار التحسر فلا إشكال بأنه لا فائدة في هذا الخبر ولا لازمها والإنشاء لا يجب أن يكون غير معلوم « 1 » مضمونه للمخاطب وإنما المراد به إنشاء أمر سواء معلوما كان للمخاطب أو لا لأن مطلوبه به إما الاستعطاف أو استجلاب المنفعة أو دفع المضرة وغير ذلك مما يناسب المقام والمقصود استجلاب قبولها كقبول الغلام ولهذا التواضع والاسترحام تقبل اللّه بأحسن القبول وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً [ آل عمران : 37 ] تتحير منه العقول « 2 » قوله ( أي بالشيء الذي وضعت ) . قوله : ( وهو استئناف ) أي كلام مبتدأ ( من اللّه تعالى ) وليس من مقول أم مريم ( تعظيما لموضوعها ) والتعظيم مستفاد من تخصيص علم أحوال موضوعها به تعالى فإنه يشعر بأن لها شأنا عظيما لا يعرفه إلا اللّه تعالى ولذا قال وتجهلا لها أي أم مريم بشأن مريم قوله ( وتجهلا لها ) إشارة إلى أن أم مريم لجهالة ( بشأنها ) « 3 » قالت ما قالت والتحسر أظهرت لا للذم على الجهل بشأنها . الامتنان أو التهديد أو اظهار التحسر أو غيرها مما يناسب المقام والحال والمقصود ههنا اظهار التحسر والتحزن إلى اللّه تعالى قيل فيه نظر لأن حد الكلام ما تضمن كلمتين بالإسناد وهو نسبة أحد الجزأين إلى الآخر على وجه يفيد المخاطب بفائدة يصح السكوت عليها وهذا كما ترى يستلزم إفادة النسبة للمخاطب أو لازمها فما لا يكون مفيدة له ليس بكلام أقول لا تنحصر فائدة صحة السكوت في مطلق الكلام في إفادة النسبة أو لازمها فإن ذلك إنما هو في أحد قسمي الكلام وهو الجملة الخبرية لا في مطلق الكلام إذ قد يلقي الكلام للمخاطب لإفادة طلب شيء كما في الجمل الإنشائية أو لاظهار التحزن والتحسر كما في الآية أو لغيرهما من الاغراض وقولها : إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى [ آل عمران : 36 ] كلام إنشائي لا خبري قصدت به إنشاء التحسر وإظهاره وقالوا في مثله طريقة أخرى وهو أن يجعل من باب سوق المعلوم مساق غيره لنكتة وتجعل النكتة هنا إظهار التحسر ويكون تقدير الجواب ساقت المعلوم مساق غيره تحسرا أي لإظهار التحسر كما قال المرزوقي في قوله قومي هم قتلوا أميم أخي هذا الكلام تحزن وتفجع . قوله : تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بشأنها أي بشأن موضوعها يذكر لفظ الموضوع وتأنيث ضميره في بشأنها وكلاهما عبارة عن لفظ ما في وضعت للنظر إلى جانبا للفظ تارة وإلى المعنى أخرى وفي الكشاف ولتكلمها بذلك على وجه التحسر والتحزن قال اللّه تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ [ آل عمران : 36 ] تعظيما لموضوعها وتجهيلا لها بقدر ما وهب لها منه ومعناه واللّه أعلم بالشيء الذي وضعت وما علق به من عظائم الأمور وأن يجعله وولده آية للعالمين .
--> ( 1 ) فإن قيل بلغوا الكلام أيضا مع قصد التحسر لعلم المخاطب بكونه متحسرا قلنا تعلق العلم بكونه متحسرا الآن أو قيل بعد كونه متحسرا الآن في الخارج وهذا هو المراد هنا لأنه سبب للاستجلاب والاستعطاف وأما تعلق العلم بكونه متحسرا بمعنى أنه سيكون متحسرا فهو قيل تحسرها في الخارج وهو قديم لا تعتبر فيه لكن المراد تعلق العلم بعد كونه موجودا في الخارج وهو حادث . ( 2 ) وقد ورد في الخبر الشريف من تواضع رفعه اللّه . ( 3 ) بل بيان عذرها في هذا المقال استجلال للقبول من الملك المتعال .